خواطر: حول الشركات المحلية المساهمة

خواطر: حول الشركات المحلية المساهمة

✍️ بقلم: أحمد محمد حسن زيدان

تحدث الكاتب المعروف الدكتور ياسين الجفرى فى جريدة ( الاقتصادية ) عن الضعف الواقع فى سوق الأسهم السعودية وعن ضرورة إعادة النظر والمراجعة فيما يتعلق بهذا السوق , حيث أشار الى ان من أسباب ضعف الأداء فى الشركات المساهمة السعودية التى هي عماد السوق سوء التصرف والقرار السيئ المتخذ من قبل الإدارة والذى ينجم عنه تدهور وضع الشركة وعدم تحقيقها النمو المفترض , كما أشار الى العوامل الأخرى التى تساهم فى إضعاف الأداء كالجمعيات العمومية التى تعقد بعدد محدود من الأعضاء ، وكموقف مندوب وزارة التجارة ( الحاضر الغائب ) كما وصفه المقال 0

وأود هنا ان أضيف إلى تلك العوامل عاملا آخر يتمثل فى ضعف أداء مجالس إدارة الشركات وانشغال أعضائها بأعمالهم الخاصة عن متابعة سير أعمال الشركة ، فالمعلوم ان أعضاء هذه المجالس تنتخبهم الجمعية العمومية للشركة التى تنعقد بعدد ضئيل من المساهمين فقط – للأسباب التى أشار اليها مقال الدكتور الجفرى – ولكن بعض هذا العدد الضئيل المحدود يحمل عددا غير محدود من توكيلات المساهمين الغائبين ، بحيث انهم بأغلبية اسهم من قاموا بتوكيلهم يمثلون النصاب المطلوب للاجتماع وترجيح التصويت الكافي لتحقيق نظرية ( الديمو كراسية ) وهي العبارة التي ترجم بها احد الزعماء العرب كلمة (الديموقراطية ) ويعني بها ( ديمومة الكراسي ) كما قال ، ومن الجدير بالذكر هنا ان بعض إدارات الشركات تطلب خطيا من المساهمين الغائبين توكيل شخص معين بالاسم ، ومن ثم لا يكون غريبا ان تكون النتيجة الحتمية هي موافقة نفس الأغلبية على تقرير مجلس الإدارة ، وعلى إبراء ذمة أعضائه – على افتراض حسن النية في أداء الذمة – ثم الانتخاب ( التقليدي ) لاعادة انتخاب نفس الأعضاء السابقين فى المجلس الجديد نزولا على حكم الأغلبية المشار اليها .

وإذا لم تخني الذاكرة – وقد أمست تخون كثيرا – فان بعض أعضاء المجلس فى إحدى الشركات التى اعرفها فى عسير ظلوا فى مراكزهم منذ تأسيس الشركة فى مطلع القرن الهجري الرابع عشر حتى الآن رغم القرارات السيئة التي يبصمون بالموافقة عليها والتى آدت الى هبوط سعر السهم فيها الى النصف وربما كان سيصبح دون نصف النصف من السعر الاسمي لولا البند الوحيد الذي يعوض بعض خسائرها السنوية الناتجة عن مغامراتها وهو ربح مساهمتها منذ تأسيسها فى إحدى شركات الإسمنت ، ومع ذلك يبذل كل عضو جهده فى كل دورة للتجديد لنفسه غير مقدر مسئوليته المباشرة وغير المباشرة عن التدهور الحاصل فى الأمانة التى انتخب للمحافظة عليها ،

ويعلل احد الاعضاء تقصيره بأن أغلبية أعضاء المجلس يمثلون مؤسسة اخرى تملك العديد من اسهم الشركة بل ان بعضهم يعتبر من موظفي تلك المؤسسة ولهذا فان معارضته او موافقته ليس لها أي تاثير قى القرارات . وقد يكون ذلك صحيحا الى حد ما على انني لو كنت في نفس الموقف لا سمح الله لفضلت التنحي عن العضوية لإزاحة العبء عن ضميري ولإفساح المجال لعضو آخر قد لا تشغله أعباء تجارته واعماله الخاصة عن المساهمة بأمانته وخبرته فى العمل على انتشال الشركة من الوهدة التى أوقعها فيها من تعاقبوا على الإدارة او من تعاقبوا على عضوية مجلسها ، فليس من الفخر للمرء الحصول على لقب (عضو مجلس ادارة شركة …) بل أداؤه للعمل الذي يؤتمن عليه بشكل يرضي واجبه وضميره .

وتدور عجلة (الديموكراسية ) لفترة او فترات ، ويتكرر نفس السيناريو فى الدورات التالية . . الموافقة على التقرير المعتاد وإبراء ذمة أعضاء المجلس ثم عملية الترشيح والانتخاب ليحصل العضو مرة أخرى على ( ديمومة الكرسي ) فى مجلس الإدارة وليتسنم المنصة الرئيسية فى الاجتماعات مع زملائه ، وليضيف في بطاقته سطرا آخر الى قائمة مجالس الإدارة التى يشغلها كنوع من الوجاهة والتفاخر حتى لو لم يحصل على عائد مادي ( ظاهر ) عن مجهوده فى المجلس ، وحتى لو لم يكن له مجهود فعلي في أعماله .

وأتذكر ان موضوع احتكار بعض المساهمين لعضوية مجالس إدارة الشركات كان قد أثير فى الصحف قبل مدة أملا فى قيام وزارة التجارة بالاهتمام ببحث الآمر لاتخاذ إجراء يضبط الوضع بالنسبة لصغار المساهمين أسوة بما تفعله مؤسسة النقد بالنسبة للبنوك ، ولكن الوزارة تنصلت من تلك المهمة بلباقة معتذرة بأنها لا تتدخل فى مثل هذه الشئون التى هي من مهام الجمعيات العمومية للشركات . ولعل السؤال الذى يرد بعد ذلك هو عن الجهة التى عليها حماية الأغلبية الصامتة وهم صغار المساهمين طالما انهم مغيبون عن ان بكون لهم صوت فى اتخاذ القرارات التى تتعلق بالشركة بحكم تسلط أغلبية الأصوات التى يتمتع بها بعض الأعضاء أصالة ووكالة فى الجمعيات العمومية ، ولا اعرف كيف يمكن تحقيق النمو لسوق الأسهم السعودية على النحو الذي يفكر فيه الكاتب المحترم إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه ، بل كيف يمكن ان يفكر المواطن العادي فى المغامرة باستثمار مدخراته فى الأسهم المحلية . خصوصا بعد ان جرب المساهمة في شركات قيل له حين تأسيسها ان جهة حكومية تضمن حدا آدني لأرباحها كشركة النقل الجماعي وشركة الكهرباء فإذا به يفاجأ بالأرباح الهزيلة التي لا تتناسب مع ما كان قد وعد به ، على أنني إذا كنت أشير إلي شركة واحدة فان نظرة عابرة على ما ينشر فى الصحف عن أسعار الأسهم توضح ان هناك العديد من شركاتنا المساهمة الهابطة التي تعاني نفس الوضع .

اما مندوب وزارة التجارة الذي أشار اليه مقال السيد الجفري بأنه (الحاضر الغائب ) فقد كان مفهومي سابقا ان مهمته تنحصر فى حضور الاجتماعات ولفت نظر رئاسة الاجتماع الى أي مخالفة لنظام الشركات ورفع ملاحظاته الى الوزارة بعد ذلك لتحيط علما بما جري وذلك على افتراض ان لدى مسئوليها من الوقت ما يكفي لمطالعة التقارير والتصرف حين الحاجة ، الا أنني صححت ذلك المفهوم بعد ما لاحظته من نشاط مندوب الوزارة فى اجتماع حضرته أخيرا ، فقد كان – والحق يقال – حاضرا بكل معنى الكلمة ، يتجول فى القاعة بين الحضور ويناقش البعض ويحض البعض الأخر على تعبئة أوراق التصويت حتى قبل ان تتم مناقشة المواضيع التى كانت محل التصويت ويعمل على جمعها منهم – وهو جهد تقدره له منصة رئاسة الجلسة ولا شك – ولابد ان تقريره للوزارة قد أشار الى ما تحدث به أغلبية المشاركين فى الاجتماع – واقصد هنا أغلبية عدد الأشخاص الحاضرين لا أغلبية عدد الأسهم – عن آرائهم فى الطريقة التي يدار بها العمل فى الشركة . و على كل فلعل وزارة التجارة تضع لمندوبيها فى الاجتماعات المماثلة تعليمات واضحة تحدد واجباتهم وتصرفاتهم .

ويرى البعض ان من واجب وزارة التجارة أدبيا ان تتدخل لاصلاح الوضع قى الشركات ذات الخسارات المتواصلة إما بإصدار لائحة تحد من اشغال عضو مجلس الإدارة لمركزه لأكثر من دورة مثلا او تحديد نسبة عدد اسهم الوكالات التى يمكن لمساهم واحد ان يمثلها فى الاجتماعات او ان يكون التصويت على قاعدة صوت واحد لكل عضو حاضر – كما هي الحال فى بعض المؤسسات – وليس على أساس عدد الأسهم التي يمثلها العضو أصالة ووكالة ، او وضع مثل هذه الشركات المتدهورة تحت وصاية جهة راشدة تحس إحساس المساهم العادي وتعمل على المحافظة على حقوقه بضبط التصرفات والمنصرفات او أي حل يوصى به خبراء الوزارة لكي يؤدي ذلك الغرض . وعلى كل فان ايا من هذه الحلول يتوقف على اقتناع الوزارة بقانونية تدخلها .

واذكر بهذه المناسبة ان إحدى الشركات المساهمة فى دبي كانت في وضع سيئ مشابه وكان اغلب أعضاء مجلس إدارتها ( المنتخبين أيضا بأغلبية الوكالات عن الغائبين ) من إحدى البلدان الخليجية ممن لم تكن أعمالهم الكثيرة تسمح لهم بأداء واجب توجيه الإدارة ومراقبة التنفيذ مما أفسح المجال للإدارة فى التلاعب والإهمال والمغامرة برأس المال فى مشاريع غير مدروسة جيدا فتوقفت أرباح مساهميها وظلت قيمة أسهمها مستمرة فى التدهور كما هي الحال في بعض شركاتنا الى ان اهتمت وزارة التجارة هناك بموضوع تلك الشركة فعملت على استصدار قرار من الحكومة يعالج وضع الشركة ويصحح بعض مواد المرسوم الأميري الذي أسست بموجبه فانتخب لها مجلس إدارة جديد كان اغلب أعضائه من ذوي الخبرة والأمانة فإذا بأسهمها ترتفع فى خلال عام واحد لتحقق لمساهميها أرباحا ملحوظة لم يسبق لهم الحصول عليها ، وفى هذا دليل على ما لمجلس الإدارة من دور فعال فى نشاط الإدارة سلبا او إيجابا .

وخروجا عن رسم الصورة القاتمة لمشاكل بعض مجالس الادارة اختتم مقالي بالملحوظات العابرة التالية حول الشركات المساهمة السعودية بوجه عام :

1 – كانت قيمة الاسهم الاسمية للشركات المساهمة تصدر على أساس النظام العشري ( 10 او100 او 1000 ) الذي يجعل من السهل إعداد حسابات الأسهم بالكومبيوتر ، وتلك هي الفكرة وراء جعل الريال السعودي مائة هللة والدولار مائة سنت والفرنك مائة سنتيم . ولكن جهة ما لست ادري هل هي وزارة التجارة او مؤسسة النقد اصدرت قبل مدة تعليمات تقضي ( بتنصيف ) قيمة الأسهم بحيث اصبح السهم الواحد ذي المائة ريال يمثل سهمين من ذوي الخمسين ريال ، ولا اعلم السر فى هذا ( التنصيف ) إذ لو كان الهدف هو تيسير التعامل بالأسهم على صغار المساهمين كما فهمت لكان من الأسهل تقسيم السهم ذي المائة ريال مثلا الى عشرة اسهم قيمة كل منها عشرة ريالات والسهم ذي الآلف ريال الى عشرة اسهم من ذوي المائة ريال وهكذا .. ولعل الجهة ذات العلاقة تراجع الآمر إذا لم يكن هناك سبب جوهري آخر أوجب صدور تلك التعليمات

2 – كان من المعتاد سابقا فى الاجتماعات التى شهدتها ان يضاف فى آخر بنود جدول الأعمال بند بعنوان ( ما يستجد من إعمال ) وذلك لأن الجدول الذي يجري إعداده من قبل الإدارة يتم توزيعه على الأعضاء قبل أسابيع من موعد الاجتماعات ، وقد تجد خلال تلك الأسابيع أمور تتطلب المناقشة والتوضيح الا ان منصة رئاسة الجلسات فى بعض الشركات تعترض على إضافة أي موضوع الى الجدول المعد سلفا بعذر أن النظام او تعليمات وزارة التجارة تحظر ذلك ، ولا اعلم سببا معقولا لفرض مثل ذلك الحظر إذا صح صدوره من الوزارة فعلا

3 – تقوم سكرتارية بعض الاجتماعات بأعداد محضر الاجتماع النهائي ليجرى توقيعه من قبل الأعضاء الحاضرين قبل انصرافهم إقرارا بما حدث وما تقرر ، أما فى حالة عدم تطبيق ذلك فيجري توزيع صورة من محضر اجتماع الجمعية العمومية على الأعضاء الذين حضروا ذلك الاجتماع ( على الاقل ) للتأكد من مطابقته لما جرى بحثه وتقريره بحضورهم وللرجوع اليه حين الحاجة بينما تغفل سكرتاريات أخرى ذلك التوزيع فيظل المساهم جاهلا بما حواه المحضر الذي يجري إعداده من قبل الإدارة فيما بعد . ولا اعلم هل هناك تعليمات من وزارة التجارة ايضا تشير الى سرية مثل هذه المحاضر

هذه خواطر دعاني الى طرحها مقال الدكتور ياسين جفري الذى اطلعت عليه بعد عودتي من السفر لعل فيها ما يدفع ذوي العلاقة فى الشركات والوزارة الى النظر بشكل جدي الى ذلك المقال والى تقدير عواقب هذا الوضع على مدخرات المواطنين المساهمين فى الشركات المحلية وعلى المستثمرين الآخرين الذين نعمل على جذب مساهمتهم فى مشاريعنا وشركاتنا المساهمة .

وندعو الله ان يقنعنا جميعا بما رزقنا وان يبارك لنا فيما أعطانا وان يوفق الجميع الى العمل لما فيه صالح الجميع ..

(انتهى)



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *