خواطر: حول الالقاب والصفات (3/1)

✍️ بقلم: أحمد محمد حسن زيدان
حمل خادم الحرمين الشريفين حفظه الله لواء التطور العلمى منذ ان كان وزيرا للمعارف , وكانت النتيجة ما نراه اليوم من ازدياد عدد المارس والجامعات وكثرة عدد حملة الشهادات العليا فى المملكة حاملى لقب ( الدكتور ) ممن نفخر بهم ونفاخر , الا انه نتيجة لتلك الكثرة اصبح من المتعـذر التمييز بين من يحمل شهادة الزمالة فى الطب ويعنى بصحة الناس ويعالجهم ويطلق عليه نفس اللقب فى العالم الخارجى وبين من يحمل شهادة عليا فى العلوم الدينية او الدنيوية ويعنى بعقول الناس وتنمية مداركهم وقد يطلق عليه لقب (البروفيسور ) .. ويحدث كثيرا ان يتعرف الفـرد منا نحن الشيوخ فى المناسبات الخاصة على من يقدم نفسه او يقدم اليه بأنه الدكتور فلان فنـنتهزها فرصة للحصول على استشارة مجانية بخصوص آلام الظهر او الركبة او غيرها من مشاكل الشيخوخة فاذا بـنا نكتشف مثلا انه دكتور فى علوم امنا الحنون ( الارض ) او فى علم الجغرافيا او فى علوم البحار او غيرها , ولهذا فمن رأيى انه يحسن التمييز بين الدكتورين , فاما ان يحتفظ حامل الشهادة العليا بلقب (الدكتور ) على ان يطلق على من يطبب الناس لقب (الطبيب ) او( الحكيم – الذى ذكرنى به الابن محمد عمر العامودى – وهو ما كنا نستعمله فى مكة ومازال مستعملا فى بعض البلدان العربية ) او ان يطلق على من يعالج الابدان لقب (الدكتور ) ويطلق على حامل الشهادة العليا الذى يعالج الافكار لقب ( العالم العلامة ) بتشديد اللام الثانية وهو لقب عربى اصيل استخدم كثيرا فى التاريخ العربى .
وزيادة فى التعريف يمكن ان يوضح التخصص فيقال مثلا عن الابن فيصل (العالم العلامة فى علوم الاتصالات ) وعن الابن زياد ( العالم العلامة فى علوم هندسة العمران ) وهكذا الى آخر التخصصات – وهـذا اللقب اذا استعمل فى بطاقات الزيارة باختصاره الى (ع.ع ) يعطى وجاهة اكبر من مجرد حرف ( د ) الذى يسبق الاسم . ووجاهة اكبر حينما يقدم حامل اللقب نفسه , وان كنت فى الواقع لم اصادف احدا فى الخارج يقدم نفسه بلقب الدكتور مهما كانت درجته العلمية – وعلى كل فان كلا الحلين يفيدان فى فض الاشتباك بين دكتور الفكر ودكتور البدن ,
الألقاب بين المجاملة والوجاهة
وبمناسبة الحديث عن الالقاب لا اخفى اننى كنت اشعر فى قرارة نفسى بالرضا حينما يمنحنى سائق التاكسى فى ايطاليا – بعد دفعى الاجرة والبخشيش طبعا – لقب العلامة (بروفيسورى) او لقب الرئيس (بريـزيدينتى ) اذ اننى وان كنت رئيسا الا اننى لم اكن عالما علامة . فان شهاداتى ودبلوماتى العلمية والحياتية وان كانت ذات قيمة احيانا الا انها لا ترقى فى قاموس الالقاب الى مستوى (البروفبسورى )…
الألقاب الوظيفية والتذكير والتأنيث
وهناك مشكلة اخرى لا يمكننى تجاوزها فى حديثى عن الالقاب فانا اسمع واقرأ احيانا فى بعض وسائل الاعلام العربية والمحلية عبارات مثل ( صرحت السيدة ست الأهل مدير عام شركة مناجم المرجان بأن اعمال الشركة تتقدم باضطراد وان نسبة الارباح بلغت ( 800 ) فى المائة خلال العام وكل ذلك بفضل توجيهات رئيس مجلس الادارة السيد فلان الفلانى ) او (افتتحت السيدة نور العين وكيل وزارة التراث متحف ما قبل الحياة على الارض وهو اكبر متحف من نوعه فى العالم وقد تم انشاؤه بناء على التوجيه الصادر من السيد الوزير فلان الفلانى , او القت الآنسة حليمة استاذ علم الفضائيات محاضرة فى النادى الدولى حول الحياة فى كوكب عطارد ) او ما شابه ذلك من تعبيرات تلغى تاء التأنيث فى لقب وظيفة كل من السيدتين والآنسة , ولست ادرى اذا كان ذلك التذكير تقليدا لتعبير منقول عن لغات ليست لها قواعد للتفريق فى الصفات بين المذكر والمؤنث كاللغة الانكليزية التى كانت تشير الى المسز تاتشر بلقب (رئيس مجلس الوزراء ) ام انه نوع من محاولة المساواة بين الجنسين التى تنادى بها بعض الاوساط التى تثقفت بعيدا عن اوساطنا والتى اعجبت بالسيدات كرئيسات للوزارات ولعلها اعجبت ايضا بهن ايضا كسائقات للتاكسى وحاملات للحقائب بالفنادق فى لندن ونيويورك او سائقات تركترات وعاملات نظافة فى شوارع هونكنج , ام انه نوع من الادب الحديث الحر الذى لايتقيد بحركات الاعراب وهو ما نراه فى الكثير من الشعر النبطى الذى اصبحت تزخر به الصحف والمجلات وبعض الاذاعات , ولعله امتد الى التحرر من قيود التذكير والتأنيث ايضا , واذا كان فى ذاكرتى من امثال العرب (استنوق البعير او الجمل ) فلعل ادب الحداثة يواصل الابداع فيعمل على ادراج (استبعـرت الناقة ) ضمن الامثال الابداعية المبتكرة ..
وانا لا اعترض على ان تحتل السيدة الكريمة الاولى مركز مدير عام الشركة وان تشغـل السيدة الاخرى مركز وكيل الوزارة او ان تقوم الآنسة بالقاء محاضرتها , فهن شقائق الرجال , ولكنى اعترض على اسناد كل من السيدتين (اللتين تشغلان مركزين مرموقين ) الفضل فى العمل الذى انجز الى توجيهات جهة اعلى تحددها بالوظيفة وبالاسم واللقب معا كما تفعل بعض الصحف ايضا هنا وهناك , ففى رأيى ان فى هذا الاطراء اسلوبا رخيصا للتزلف اربأ بالسيدتين الموقرتين عن التعامل به لأن كلا من رئيس مجلس الادارة ووزير التراث معروف لدى الخاصة والعامة بحكم مركزه فالاشارة الى الاسماء من تحصيل الحاصل , كما ان كلا منهما جزء من الهيكل العام للمؤسسة الخاصة او العامة التى يمثلها ومن مهام وظائفه الاساسية التوجيه العام لتنفيذ المشاريع طبقا لما هو مقرر مقدما ومرصود فى الميزانيات فما ينال المؤسسة من نجاح او فشل يكون له نصيب منه بطبيعة الحال , كما ان كلتا السيدتين اغفلتا الاشادة بمجهودات من قاموا بالعمل الفعلى فى تلك الانجازات .
لقب الشيخ بين المناطق والعادات
ويقودنى الحديث حول الالقاب الى لقب ( الشيخ ) الذى يطلق عادة على كبير القبيلة , ويطلق فى نجد على العالم الدينى او امام المسجد , كما يطلق فى امارات الخليج على سمو حاكم الامارة وافراد اسرته , اما فى الحجاز فقد كنا وما زلنا نطلق لقب (الشيخ ) على من هو اكبر منا سنا او قدرا سواء فى مخاطبته او الكتابة عنه او التحدث اليه , وهو نوع من الادب تعودناه منذ نشأتنا تعبيرا عن الاحترام والتوقير لهذه الشخصيات , ولا يحمل ذلك معنى ان المخاطب او المتحدث عنه رجل من علماء الدين الافاضل الذى يميز عادة بلقب (مولانا ) او (فضيلة الشيخ ) كما انه لا يحمل معنى انتمائه الى اسر اصحاب السمو حكام الخليج حيث يجرى تمييزه بلقب (سمو الشيخ ) بل ولا يحمل معنى الشيخوخة التى تنصل منها الشاعر الذى بلغ الثمانين بقوله :
)زعمتنى شيخا ولست بشيخ .. انما الشيخ من يدب دبيبا ) ..
مشايخ الحرف في مكة
وكان ( لقب ) الشيخ يطلق فى مكة ايضا على رئيس كل طائفة من اصحاب الحرف يجرى انتخابه من قبل كبار اهل الحرفة فى اجتماع اتذكر انه كان يعـقد عادة فى دار البلدية , فكان هناك شيخ للمطوفين وشيخ للجزارة وشيخ للجواهرجية وشيخ للحضارم وهكذا , وكان الشيخ محترما من اهل طائفته مسموع الكلمة بينهم , بل كان لبعض المشايخ سلطة الحكم بالعقوبة وتنفيذها مثل شيخ الحضارم فى مكة الذى كان يتقبل الشكوى ضد الصبى الذى يعمل فى المنزل من تمرده وعدم اطاعته اوامر عماته فيحضره وينهره وقد يضربه لكى (يقع رجال ) ثم يعيده الى مخدوميه , ومثل شيخ السقاية (السقاة) الذين يزودون المنازل بالماء من خزانات العين وذلك قبل توفير الدولة للماء وتوصيله بالانابيب الى المنازل ,
فاذا شكا احد اصحاب المنازل مثلا من السقاء بانه اثناء تفريغه قربة الماء فى الحنفية او الزير رفع عينيه الى داخل المجلس حيث توجد العائلة ( وهو امر كان غير لائق يوم كانت مبادىء الحياء والعيب – وكخ للاطفال – من العملات المتداولة فى المجتمع ) فان الشيخ يجمع اهل الموردة او البازان ( خزان عين الماء ) ليحاكم السقاء المشكو منه امامهم فاذا ثبتت ادانته بعد التشاور مع كبار سقاة الموردة – الذين يتربعون عن يمينه وشماله – يصدر الامر بجلده بالعصا الخيزران عددا معينا من الجلدات , حيث يتلقى الجلدات على مؤخرته وهو مستلق ببطنه على ( الفروة ) الى ان ينتهىالعدد او يشفع له الشاكى او يقوم احد المتفرجين بالقاء حزمـة من نبات اخضر كالبرسيم على ساحة العقاب ليعفى عن بقية الجلدات , , واعتقد ان نظام مشايخ الحرف هذا كان يخفف جانبا كبيرا من المشاكل التى اصبحت ترفع الى الاحوال المدنية او الشرطة او المحاكم للفصل فيها بعد وقت طويل واجراءات اطول , ولا ادرى اذا كان هذا النظام ما زال سارى المفعول ام (اخنى عليه الذى اخنى على لبد ) كما قال الشاعر ولعله كان يقصد بكلمة (لبد) المجالس البلدية .التى سبقت الاشارة اليها فى مقال سابق . واشار اليها الدكتور عبدالله بخارى فى عكاظ ايضا ..
بين الشيخ والاستاذ
وحول لقب ( الشيخ ) لاحظت ان بعض الصحف لدينا استبدلت لقب ( الشيخ ) فى اشارتها الى الشخصيات بلقب ( الاستاذ ) وهى كلمة دخيلة على العربية كانت وما زالت تطلق على معلمينا فى المدارس كما كانت تطلق فى شرق المملكة على عامل البناء ,.وقرأت اخيرا فى صحيفة عكاظ مقالا للكاتب القدير (الشيخ ) سليمان العيسى – الذى يترقب الجميع برنامجه التلفزيونى الشيق المفيد – فهمت منه معارضته لاستعمال لقب ( الشيخ ) بين الناس , ومع تقديرى لذلك الرأى الا اننى شخصيا لا ارى اى ضرر يعود على المجتمع من استعمال هذا اللقب فى الصحف او فى مجاملة الناس بعضهم بعضا , فليس فى استعـماله بين الافراد تقليل من مقام المشايخ اصحاب الفضيلة او المشايخ اصحاب السمو فى الخليج , وليس فيه ايضا معنى التنابذ بالالقاب التى نهى الشرع عنه لنمتثل لذلك التهى , وارى ان ندع الناس يجامل بعضهم بعضا بما شاءوا من القاب الاحترام فى الحدود التى تعارف عليها المجتمع كلا فى منطقته,,
( يتبع )
