خواطر: حول المشاعر والشعائر (2/1)

خواطر: حول المشاعر والشعائر (2/1)

✍️ بقلم: أحمد محمد حسن زيدان

التوسعات وخدمة ضيوف الرحمن

يتميز عهد خادم الحرمين الشريفين حفظه الله بمآثر كثيرة سيسجلها له التاريخ فى انصع صفحاته ، ومن ابرز هذه المآثر انتشار العمران فى المملكة بكافة مدنها وقراها ، فبالإضافة الى التطور العمرانى الكبير الذى حصل فى الرياض عاصمة المملكة ومقر الملك بشوارعها الفسيحة الواسعة وناطحات السحاب فيها والمبانى الفخمة للوزارات والدوائر الحكومية مما يجعلنا نفاخر بها العواصم الكبرى فى العالم ، هناك التوسعات الضخمة فى الحرمين الشريفين ، التى أمر بها جلالته وتابع الإشراف شخصيا على تنفيذها .

وكانت النتيجة لهذه التوسعات – مع ما وفرته حكومته الرشيدة من أمن وتسهيلات لخدمة ضيوف بيت الله وزوار مسجد رسوله وكذلك ما وفره جلالته وأهل الخير فى الحج من مطعم مجانى ومشرب – أن تضاعف عدد الحجاج والزوار والمعتمرين أضعافا مضاعفة . وسيظل يتضاعف بازدياد التسهيلات وتزايد عدد المسلمين .

قبة المقام والهيكل المعدني

وقبل توسعة المسجد الحرام كانت هناك قبة مقامة على أعمدة فى صحن المطاف بداخلها ما يشبه تابوت يحتوى الحجر الذى كان سيدنا إبراهيم يقوم عليه أثناء رفعه فواعد الكعبة المشرفة ويقال بأن به آثار أقدامه ، ولما كانت تلك القبة تعوق انسياب حركة الطائفين بالبيت فقد جرت ازالتها واستبدالها بهيكل معدنى وضع فيه الحجر المذكور ، كما تفضل جلالته مؤخرا بالآمر باستبدال الهيكل المشار إليه ليكون من النحاس والبلور المزين بزخارف إسلامية وهو عمل صالح يضاف الى أعماله الخيرة الكثيرة التى ندعو الله ان يجعل ثوابها له فى ميزان حسناته ,, وهو لا يضيع اجر من احسن عملا ..

مشكلة انسياب حركة الطواف

على أن مشكلة إعاقة انسياب حركة الطواف ما زالت قائمة ، وهى مشكلة يقدرها من قام بالطواف فى أيام العمرة أو الحج حيث يرى نفسه مسوقا تلقائيا الى الامام بقوة الدفع ممن خلفه وعلى جوانبه وحيث يضطر البعض أحيانا الى الطواف فى الدور العلوى للحرم نتيجة الازدحام الشديد فى المطاف وتفاديا للتعرض للارتطام (بالشبارى) التى يحملها التكارنه وهم يركضون فى شكل قطار سريع يتبع بعضهم بعضا او يسابقه صارخين بأعلى أصواتهم ( كشب كشب ) لإنذار الطائفين بأنهم يحملون خشبا لإفساح المطاف لركضهم مع ما يحملون من الحجاج والمعتمرين الذين لا تسمح لهم حالتهم الصحية بالطواف على الأقدام .

ويزيد هذه المشكلة تفاقما وقوف بعض الحجاج والمعتمرين حول الهيكل الذى يحتوى الحجر للنظر الى ما بداخله او للتمسح تبركا به ، وكذلك إصرار البعض على الصلاة والدعاء المطول خلف موقع الحجر مع قيام بعض الحجاج (وخاصة بعض القادمين من الخليج وما حوله) بعمل حائط بشرى حول محارمهم اللواتى يعتقدن أن النسك لا يكتمل إلا بالصلاة فى هذه البقعة من المسجد وذلك باعتبار ان ذلك الموقع هو مقام إبراهيم الذى وردت الإشارة إليه فى الآية الكريمة (ان أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام ابراهيم ومن دخله كان آمنا ) كما وردت الإشارة إليه أيضا فى الآية ( وقد جعلنا البيت مثابة للناس وامنا واتخذو من مقام إبراهيم مصلى ) رغم اختلاف المفسرين فى ذلك ،

اختلاف المفسرين حول مقام إبراهيم

حيث يفسر البعض عبارة ( مقام إبراهيم ) فى الآية الأولى بأنها خبر للمبتدأ الذى تصدره حرف ( إن ) التوكيدية ، او انها يدل اسم الموصول ( الذى ) وأنها تشير الى البيت العتيق ، وقال البعض بان المقصود – والله اعلم – هو المسجد الحرام حيث كان سيدنا إبراهيم يقيم صلواته ويمكن اتخاذه مصلى كما يمكن تحقيق الأمن لمن دخله طبقا للآية الكريمة ( ومن دخله كان آمنا ) إذ المعلوم أن الدخول يكون الى مكان له حدود ومدخل يلجه من هو فى خارجه ، ولم تكن هناك منذ القدم حدود ومداخل معروفة للمقام 0

كما أن الحجر الذي كان يقوم عليه ابراهيم – صلى الله عليه وسلم – أثناء رفعه قواعد البيت الحرام لا يتسع للصلاة فيه أو عليه وكذلك البقعة الصغيرة الواقعة خلف الحجر فإنها أيضا لا تتسع لأداء الصلاة لكل قاصدى البيت من المسلمين الذين شملهم الأمر الإلهي (واتخذو من مقام إبراهيم مصلى ) وقد أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى فتح مكة من دخل المسجد الحرام وفى ذلك تطبيق لتوفير الأمن للداخل فيه طبقا للآية الكريمة ( مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) بل لقد ذهب بعض المفسرين الى القول بأن مقام إبراهيم الذى يأمن من دخله هو الحرم الذى يشمل المسجد الحرام وما حوله من المشاعر المقدسة التي لا يحل الصيد فيها .

موقع الحجر والروايات التاريخية

ثم إن المفروض ان الموقع الطبيعي للحجر الذى استخدمه نبي الله إبراهيم لرفع بناء الكعبة كان بجوار البيت ولم أجد فيما قرأت مرجعا استدل منه على أساس كيفية نقله من الموقع الذى استخدمه سيدنا إبراهيم بجوار الكعبة الى موقعه الحالي 0وكل ما قرأته فى هذا الصدد هو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قام بالصلاة فى مقام ابراهيم حين فتح مكة وكذلك ما روي من ان السيل حينما دخل الحرم فى عهد الخليفة عمر ابن الخطاب رضى الله عنه جرف الحجر من موضعه فأعاده الخليفة بعد ذلك إلى موقعه الذى كان فيه ولعله الموقع الحالى ، ولكن لم اجد مرجعا آخر يبين اساس نقله من جوار البيت الحرام بعد رفع قواعده كما ذكرت ،

وقد ذكر الأستاذ احمد السباعي رحمه الله فى كتابه ( تاريخ مكة ) بأن حجر المقام لم يكن ثابتا فى موضعه كما هو اليوم بل كان ينقل من مكانه الى داخل الكعبة او الى أحد أركان المسجد أيام الموسم إذا اشتد الزحام ، ويؤكد ذلك ابن جبير أيضا إذ ذكر فى رحلته أن مقام إبراهيم فى عهده كان غير ثابت ، وبهذه المناسبة أتذكر أننا كنا ونحن أطفال نرى بجوار باب الكعبة من الناحية الشمالية حفرة قيل إنها كانت موقع حجر سيدنا إبراهيم وكان بعض الناس يصلى فيها تبركا ، كما قيل أيضا بأنها كانت المعجن الذى كان يعجن فيه الطين المستخدم فى بناء البيت.0 وقد طمرت تلك الحفرة فيما بعد تيسيرا للطواف كما اعتقد 0

رفع الأذى والتيسير على الطائفين

وعلى آية حال فان الموقع الحالي للحجر يسبب الأذى للمسلمين الطائفين ، والقاعدة المعروفة تقضى بأن رفع الأذى مقدم على جلب المصالح ، ويقال ان المعلم محمد بن لادن رحمه الله كان قد تقدم بفكرة نقل الحجر الى موضع آخر ولكن اجل تنفيذها لوقوع معارضة لها من بعض الجهات على اساس ان ذلك يغير معالم الحرم ( مع العلم ان معارضة مماثلة سبقت ايضا حين نقل مدخل بئر زمزم الى الموقع الحالي )..

ولعل خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله – وهو الذى وفقه الله لتولى تحقيق مشروع التوسعة – يتفضل بإصدار أمره الى الجهات ذات العلاقة بإعادة دراسة موضوع مقام إبراهيم الذي أمر الله عباده بأن يتخذوا منه مصلى وذلك على ضوء الوضع الحالي فى ازدحام الطواف وتزايد عدد الطائفين ، فإذا كان المفهوم ان المقصود بالمقام هو الحجر الذي كان يقوم عليه نبى الله ابراهيم فى بنائه البيت – والذى لا يتسع لفرد مسلم واحد للصلاة فيه فضلا عن كافة المسلمين الذين وجه الله إليهم الأمر (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) – وكان هناك دليل ثابت على موقعه فى صحن المطاف فانه لا يجوز فى هذه الحالة التصرف فيه بالنقل ،

أما إذا كان المفهوم هو البقعة التى كان إبراهيم يقيم ويقوم بأداء العبادة فيها او كان المفهوم انه المسجد الحرام نفسه فلا يكون هناك حرج من نقل الحجر الى موقع لا يعوق انسياب الطواف تيسيرا للمسلمين فى أداء مناسكهم ، وإذا كان قد جاز فيما مضى نقل الحجر من موقعه المفترض أساسا بجوار الكعبة الى موقعه الحالى او نقله فى المواسم الى موقع داخل الكعبة او الى احد اركان المسجد كما تقول الروايات التى أشرنا إليها فلعل من الجائز أيضا – تيسيرا للمسلمين الطائفين لأداء مناسكهم – نقله مع الهيكل الى الخلف بمسافة لا تعترض انسياب الطواف وتتيح للحجاج والعمار مشاهدته والتبرك بلمسه والصلاة خلفه بهدوء واطمئنان بدون التسبب فى أذى الطائفين ،

وقد يمكن وضعه داخل الأرض فى نفس الموقع وتغطيته بلوح كبير من البلور الصافى مع إضاءته للدلالة على موقع مقام ابراهيم حيث تتيسر الصلاة فيه فى غير اوقات الازدحام فالدين يسر 00 والله من وراء القصد وهو الهادي الى سواء السيبل

(انتهى)



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *