خواطر: حول القمة العربية وفلسطين (2/3)

خواطر: حول القمة العربية وفلسطين (2/3)

✍️ بقلم: أحمد محمد حسن زيدان

تابع ما قبله

ثم لنتصور الوضع بعد اجتماع طابا حين أوشك الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي على وضع أسس للسلام – حسبما نُشر في حينه – لو لم يصر الساسة الفلسطينيون على التمسك بمطالب يعلم الكثيرون استحالة تنفيذها في الوقت الحاضر، حسبما أشار السياسي الفلسطيني المعروف السيد سري نسيبة في تصريحاته تجاه عودة مهاجري 1948 وقبول الدولة الفلسطينية غير المسلحة.

وقد ترتب على تلك السلبية قيام الانتفاضة الثانية التي كانت مسلحة بالبارود وقذائف الهاون والتفجيرات الانتحارية، فعطلت مشروع متشل، وأطاحت بوزارة حزب العمل (حزب باراك) الذي بدا أنه كان يسعى جاهدًا – بمباركة من الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون – لتحقيق السلام، وهو السلام الذي كان في مصلحة شعبه قبل شعب فلسطين، وليدخل كلاهما التاريخ من بوابة صانعي السلام.

كما قلبت تلك التطورات رأسًا على عقب التأثير الكبير للانتفاضة الأولى، انتفاضة أطفال الحجارة، التي نالت عطف العالم كله، وساعدت – في المقابل – على فوز حزب الليكود الذي يرأسه شارون، وكلفت – وما زالت تكلف – خسارة الكثير من أرواح الفلسطينيين وممتلكاتهم وكرامتهم.

بين الوطنية وسوء الإدارة

ولا يستطيع أحد الشك في وطنية الزعماء الفلسطينيين الذين تعاملوا مع المشكلة سابقًا ولاحقًا، ولا في شرعية أهدافهم وطموحاتهم لتحرير كامل التراب الفلسطيني، إلا أن الشاعر العربي يقول:

ومن لا يصانع في أمور كثيرة
يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم

ويقول شاعر آخر:

الرأي قبل شجاعة الشجعان
هو أول وهي المحل الثاني

ولما كانت الشجاعة متوفرة لدى الشباب – حسبما نرى في العمليات الفدائية التي تبنتها بعض القيادات – فقد كان المطلوب أيضًا توفر الرأي الحصيف لدى القيادات التي تخطط للعمليات، ذلك الرأي الذي يحسن توقيت الكر والفر، بدلًا من الانجراف في تيار العواطف واتباع أسلوب الكر وحده.

وقد تفاعلت تلك السياسات مع التشنجات التحريضية الإعلامية، سواء من داخل فلسطين أو من خارجها، والتي رددت أن كثيرًا من المقترحات المعروضة لم تكن سوى وسائل لتركيع الشعب الفلسطيني وإذلاله وجعل السلطة الفلسطينية حارسًا لأمن إسرائيل.

ولست أدري: هل أنتجت تلك التصرفات السلبية تركيعًا أشد من أن يظل رئيس السلطة الفلسطينية محدد الإقامة في رام الله، لا يستطيع التحرك منها إلا بإذن من شارون؟ وهو إذلال يدمي قلوبنا، ونحس وقعه المؤلم على أنفسنا كعرب ساهموا بحسن نية في أسبابه.

حقائق لا بد من مواجهتها

على أننا لو تعمقنا – بشكل أكبر شفافية وصراحة – في بحث أسباب الوضع الحالي في فلسطين، لواجهتنا الحقائق التالية:

1- ضيق دائرة الخطاب الإعلامي

إن الإعلام الفلسطيني جعل من القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى قضية عربية بحتة، فهو حين يخاطب العرب وحدهم، إنما يخاطب من يعرفون المشكلة أصلًا، وقد عاشوا معها أكثر من نصف قرن، وقاموا – وما زالوا – بدعمها.

2- البعد الإسلامي العالمي

إن المسجد الأقصى ليس من مقدسات العرب وحدهم، بل هو من أهم مقدسات العالم الإسلامي، فهو ثالث الحرمين، ويجب على كل فرد من المليار مسلم أن يتحمل مسؤوليته في الدفاع عنه بشكل فعلي. وكان من واجب الفلسطينيين توجيه الاهتمام إلى العالم الإسلامي كله، لا إلى العرب فقط، لأن تأثير ضغط مليار صوت مسلم في المجتمع الدولي يفوق تأثير المائة مليون عربي.

3- البعد المسيحي للقضية

إن القدس وما جاورها أيضًا من المقدسات الدينية لدى المسيحيين بمختلف طوائفهم ومذاهبهم. ففي بيت لحم ولد المسيح عليه السلام، وهم يقطعون المسافات للاحتفال سنويًا بالمواقع الدينية هناك. ولهذا، كان من الواجب توجيه الاهتمام إلى هذه الناحية أيضًا، لتحمل الزعامات السياسية والدينية المسيحية مسؤوليتها، وليزداد عدد الأصوات الضاغطة لتحقيق الحل العادل.

4- أثر الفتاوى والخطب التحريضية

إن بعض الفتاوى والخطب الحماسية التي صدرت من بعض المنابر، والتي اعتبرت التفجير الانتحاري استشهادًا، وساوت بين المدنيين والمحاربين، ساهمت – مع الإعلام المنفعل وسوء التوقيت – في إخماد صوت الحكمة، حتى لدى عقلاء اليهود الذين كانوا يؤيدون السلام، كما ساهمت في تنمية الشعور العالمي بالعطف على اليهود، وعكست التأثير المدوي الذي أحدثته الانتفاضة الأولى.

وقد استغل الإسرائيليون حصيلة تلك الفتاوى والتصريحات بكل ذكاء لإيجاد المبررات لشارون ليعيث في أرض فلسطين فسادًا بدعوى الدفاع عن النفس، دون أن يخشى نقدًا أو اعتراضًا، مستندًا إلى الفيتو المتكرر لصالحه.

5- اختلال ميزان الضرر

لا شك أن إسرائيل قد تضررت من جراء تلك العمليات، ولكن ذلك الضرر لا يقارن بما اقترفته بواسطة الأسلحة الممنوحة لها من أعمال انتقامية وتدميرية للأرواح والمساكن والمراكز، بالإضافة إلى الحصار الذي ضربته على المدن والرموز الوطنية.

6- محدودية الخطب الحماسية

إن الإسراف في الخطب والتصريحات الحماسية قد ينال هتافات الشوارع والتصفيق في المجالس، لكنه لا يطرد اليهود من أرض فلسطين، ولا يحقق إنشاء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، إذا لم يكن مدعومًا بقوى مادية ومعنوية، وبتخطيط وتوقيت دقيق لكل خطوة.

7- واقع القطب الواحد

إن هناك في العالم الآن قطبًا واحدًا يمتلك الأسلحة المطورة والفيتو المعهود في مجلس الأمن، ولا يخفي تحيز إدارته السافر لإسرائيل باعتبار ذلك من ثوابت سياسته التقليدية. ولهذا، فإن تغاضيه عما يرتكب في الأرض المحتلة يعني موافقته الضمنية وإعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل.

8- معايير مزدوجة في التسليح والدعم

ليس هناك من يجهل أن أغلب الدول المتعاطفة مع فلسطين تحصل على أسلحتها من نفس القطب، ولا يمكنها الحصول عليها إلا بشروط معقدة وقيود صارمة، بينما تُستثنى إسرائيل من تلك الشروط، فتستخدم الأسلحة الهجومية الأمريكية المتطورة ضد الفلسطينيين، في حين يكتفي الداعم المانح بالسلاح للطرف الواحد بأن يطلب من الطرفين التوقف عن العنف.

(يتبع)



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *