خواطر: حول الالقاب والصفات (3/2)

خواطر: حول الالقاب والصفات (3/2)

✍️ بقلم: أحمد محمد حسن زيدان

متابعة للحديث عن الألقاب هناك ألقاب تعارف الناس على إضفائها على من يشغـلون مناصب معينة فى الدولة او من كانوا يشغلونها , اذكر منها (صاحب الفخامة وصاحب الدولة وصاحب المعالى للوزراء وصاحب السعادة لمن هم دون مرتبة الوزراء ), وقد تختزل احيانا بحذف كلمة (صاحب ) لتصبح (سعادة ) او (معالى ) ولم اجد مرجعا افهم منه اساس هذه الالقاب , ففى مفهومى ان كلمة (صاحب ) تعنى الرفيق او المالك فهل يعنى لقب صاحب السعادة للمدير او وكيل الوزير مثلا انه يصاحبها او يمتلكها وما هى هذه السعادة هل هى وجاهة المنصب بوقوف سعاة المكتب احتراما حين دخوله وخروجه ؟ ام بكثرة مراجعيه واصحاب الوساطات امام مكتبه مثلا ؟ ام انها الرضاء عن النفس باداء الواجب كما يجب ان يؤدى بالاشراف الفعلى على العمل الذى يرأسه وتنظيمه والتعقيب على مصير المعاملات التى تعرض عليه والقيام بجولات على مكاتب الموظفين بين وقت وآخر للتأكد من تواجد كل منهم على مكتبه وعدم تراكم الأوراق لديه فلا يواجه مراجعيه بالعبارة التقليدية (راجعنا بكره ) لحلول وقت إحضار أبنائه من المدارس ولا يركن جانبا من المعاملات الى ما بعد عودته من الإجازة , وكذلك بعدم الاكتفاء بالعمل خلال وقت الدوام الرسمي لأن الكثير من المعاملات لايمكن استيعابها أثناء وقت الدوام مع وجود المراجعين ورنين الهاتف ؟ وانا اعلم ان اغلب اصحاب السعادة لدينا يفعـلون ذلك , ثم ماذا يعنى لقب ( صاحب المعالى للوزير ) ؟ بل ماذا تعنى كلمة (المعالى) نفسها هل كان اصلها حسب تعليل احد الابناء ( المقام العالى ) ثم نقلت الميم من الكلمة الاولى بعد حذفها الى الثانية للتخفيف -بأسلوب النحويين فى الحذف والتقدير- لتصبح ( المعالى ) وهل هى تعنى الكفاءة ام الثقة ام كليهما ؟ وهل هى ثقة ولاة الامر التى تدفعه الى بذل جهده لاثبات أهليته لها ؟ ام هى ثقته بنفسه التى تفرض عليه تحمل المسئولية الملقاة على عاتقه بحيث يتولى البت فيما يعرض عليه بشجاعة بعد اقتناعه فلا يتخلص من مسئولياته بالشروح المبهمة او الاسراف فى استخدام العبارة التاريخية لاجراء اللازم ) او باحالتها الى لجنة او لجان لتكفيه ( دوخة ) الدراسة والتمحيص , وبحيث يعمل – بالتعاون مع المختصين المؤهلين – على إعداد اللوائح والتعليمات المفصلة المكتوبة لتسيير العمل بحيث يعرف كل من مرؤوسيه واجبه فى إنجاز عمله المسئول عنه فلا يعمل على تأخيره ولا يتذرع بمراجعة رئيسه المباشر بصدد معاملة ما الا فى الحدود الضيقة التى تفرضها اللوائح وبهذا لا يكون هناك مجال لتأخير المعاملات بسبب او باسباب ؟ ام انها الثقة بمعاونيه بحيث يوزع الصلاحيات على من هم اهل لها مع الحساب والرقابة الفعالة لكى يتفرغ للمهمات الاساسية للوزير فلا تتأخر معاملات فى انتظار توفر الوقت له لمطالعتها وتوقيعها او لاتخاذ قرار بشأنها ؟ ولقد عرفت عددا من اصحاب المعالى من هذا الطراز الواثق الموثوق به ؟

تساؤلات حول الألقاب المتداولة

هذه تساؤلات تراودنى , قد يكون دافعها الرغبة فى المعرفة او هى مجرد نوع من التفكير على الورق يرمى بصورة غير مباشرة للدعوة الى المحافظة على استعمال الالقاب من (الشيخ) فصاعدا فهى جزء من حياة مجتمع تعارف عليها , خصوصا واننى اب لصاحب سعادة كما كنت صاحب سعادة عتيقة تأبطتها مع اوراقى الشخصية حين تركى المكتب والمنصب وما زلت محتفظا بها فى الجواز الخاص على الاقل , ومن الطريف انه حدث فى غمرة البحث عن اساس هذه الالقاب فى المراجع المختلفة ان اهدانى احد الابناء نسخة من معجم (المحيط ) لاحتمال ان اجد فيها ضالتى واذا بها تزيدنى بلبلة فى الموضوع اذ وجدت فى هذا المحيط الذى الفه الصاحب ابن عباد ان لقب المؤلف هو ( كافى الكفاة ) وبدأت اشغل فكرى فى البحث عن معنى هذا اللقب الغريب واساسه الا اننى رجعت لنفسى وآثرت الاكتفاء بالتساؤل عن معنى الالقاب المتداولة التى اشرت اليها فى البداية .وتركت جانبا موضوع السيد كافى الكفاة ومحيطه اللغوى خشية الغرق فى ذلك المحيط …

إلغاء الألقاب واستبدالها

ولقد جرنى موضوع الالقاب الى ما قرأته اخيرا من ان بلدا فى احد الكواكب البعيدة قرر الغاء القاب صاحب السعادة او الفخامة او الدولة او المعالى واستبدالها بلقب ( السيد ) وقد سرنى ذلك لانه يدل على ان ذلك البلد قد استكمل كافة متطلبات شعبه ولم يبق عليه سوى تقـنين الالقاب , واذا كان الهدف الذى فهمته من ذلك القرار هو المساواة بين الافراد وازالة الفوارق بين الطبقات – وليس مجرد المساواة فى الالقاب بين رؤساء طوائفه كما يزعم بعض الناقدين – فهو هدف نبيل سبقته اليه جمعية الاتحاد والترقى فى عهد السلطان العثمانى عبد الحميد بشعاراتها ( حرية , عدالة , مساواة , اخوة ) فدقت بذلك اول مسمار فى نعش السلطنة العثمانية , وبالرغم من ان تلك الشعارات البراقة التى اجتذبت مشاعر الجماهير فى حينه قد انتهت مع امثالها الى ما وصفه الشاعر بقوله :

(كان عبدالحميد بالامس فردا … فبلينا بألف عبدالحميد )

الا ان بعض الايديولوجيين الحالمين بالمدينة الفاضلة التى تخيلها افلاطون والتى تترجم نفس الشعارات ما زالوا يتمسكون بها وان كان ذلك على حساب الاستقرار الذى ينعمون به ..

لقب السيد وبدائل المساواة

ويبدو اننى ( اشطح ) احيانا فاخرج عن الموضوع الذى اتحدث عنه فمعذرة , وأعود الى ( السيد ) وهو اللقب المرشح لأن يحل محل الالقاب الملغاة , فـانا شخصيا لا اظن ان لقب ( السيد ) يحقق هدف المساواة بين الناس فهو ايضا يعطى معنى التمييز لأن وجود السيد يفرض وجود مسود , وربما كان من الأكثر ملاءمة للهدف لقب ( العم ) وهو ما نستعـمله بيننا فى المملكة مع كبار السن ومع من بحمل اللفب بحكم النسب ( وبهذه المناسبة لعل اشهر عم فى المملكة كان معالى الشيخ عبدالله السليمان وزير المالية فى عهد جلالة الملك عبدالعزيز – رحمهما الله واثابهما على ما قدماه لهذا البلد – اذ كان مجرد لفظ ( العم ) يكفى للدلالة عليه ) وهناك لقب ( الاخ ) وهو ايضا ما نستعمله ويستعمله بلد عربى آخر فى الحديث عن زعيمه , او لقب (الصديق ) وهو ما يستعمله الاخوة الباكستانيون معنا , او لقب ( الرفيق) الذى يستعمله السادة الماركسيون ) او الذى كانوا يستعملونه قبل انهيار الكيان الشيوعى ,, فما رأي السادة المقننين للالقاب فى هذه البدائل ؟ ثم ما هو رأيهم فى فكرة تعميم لعبة ( البلوت ) بين طبقات الشعب لازالة الفوارق بين تلك الطبقات حسبما اورده علامة القانون والحقوق الابن محمد عمر العامودى فى عموده الاربعائى فى صحيفة عكاظ رواية عن محاضرة لعلامة الادب عبدالله الغذامى (والعهدة على الراوى) فربما نجحت هذه الفكرة فى تحقيق الهدف من المساواة ؟

(يتبع )



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *